محمود بن حمزة الكرماني
16
البرهان في متشابه القرآن
واستطالت الفتنة وطار شررها حتى عمت خراسان وفارس والحجاز والعراق والشام . وأغرى هذا النجاح الوزير ( الكندرى ) على استصدار مرسوم آخر بالقبض على زعماء الفتنة ، واستغل المرسوم في القبض على أئمة أهل السنة ! ومنهم الإمام القشيري ( ت 465 ه ) وإمام الحرمين الجويني أبو المعالي عبد الملك ( 419 - 478 ه ) وأبو سهل بن الموفق ولم يكن في درجتهم العلمية ولكنه كان من الوجهاء مسموعى الكلمة في خراسان . ونقل خبر القبض على الأئمة إلى أبى سهل بن الموفق وكان متغيبا من حسن حظه ، فعزم على الالتجاء إلى القوة لإيقاف الوزير عند حده وجمع حشدا من أنصاره وتبعهم خلق متذمرون من العامة ، وهاجم بهم أمير خراسان وكسره وأطلق العلماء من السجن . وعقد مجلسا معهم اجتمعت فيه كلمتهم على وجوب الهجرة خشية إعادة الكرة عليهم ، فهاجر منهم جماعة إلى مكة بلغ عددهم الأربعمائة ومنهم الحافظ البيهقي وإمام الحرمين . أما القشيري فقد قصد بغداد حيث أكرم الخليفة وفادته - وكان إذ ذاك القائم بأمر اللّه « 1 » ( 422 - 467 ه ) وكان عالما ورعا زاهدا ذا دين وخلق - ولما هدأت الأمور عمد الكندرى إلى أبى سهل فقبض عليه وصادر أملاكه وأمواله واستمر في ملاحقة جميع أنصاره . وبعد وفاة السلطان طغرلبك السلجوقى خلفه على العرش ابنه السلطان ألب أرسلان ( 455 - 465 ه ) فكان أول أعماله هو القبض على الكندرى وإعدامه ، واستوزر أحد جهابذة القرن الخامس الهجري ألا وهو الوزير ( نظام الملك ) الذي ذهب فيما بعد ضحية هوس الفرق الدينية . تسامح أهل السنة : لم يسجل التاريخ أي تعصب مقيت لأهل السنة ، وبالرغم من أنهم يمثلون الأغلبية إلا أنهم لم يسعوا في يوم ما لإشعال نار الفتن الدينية ، هذا بينما سجل التاريخ لخصومهم - وهم أقلية - التعصّب الذي ذهب إلى حد الهوس الذي دفع بعض الفرق المتطرفة إلى مهاجمة أهل السنة بضراوة فاقت كل أذى لحق المسلمين من خصومهم . وقد رأينا من أدلة تسامح أهل السنة أن السلطان طغرلبك اتخذ وزيرا معتزليا رافضيا ، حاول أن يسخّر ثقة السلطان فيه للتخلص من أهل السنة . ورأينا استبداد البويهيين بالسلطة التي كانت للخلفاء العباسيين مع أن البويهيين كانوا من الشيعة . كما تولى المعتزلة أرقى المناصب ، كما كانوا يحضرون مجالس العلم ومجالس الأمراء ويقومون بالتدريس . ويذكر لنا المقدسي أن إقليم كرمان كان يغلب عليه المذهب الشافعي عدا جيرفت ،
--> ( 1 ) ابن تغرى بردى : النجوم الزاهرة 5 / 98 .